أنت في / أخبار

قصص نجاح.. الأردن ومحمود الجوهري


عمان- لا صوت يعلو فوق صوت "النشامى"؛ لا سيما في صباح التاسع عشر من شهر تموز/ يوليو عام 2004 حيث كانت كرة القدم الأردنية على موعد مع التاريخ بالإطلالة الأولى للمنتخب الوطني في نهائيات كأس آسيا، بعد أن كسب نجومه الرهان بالوصول إلى الحدث الكروي القاري الذي كانت الصين مسرحاً لمنافساته.

وجد المنتخب الأردني ضالته المنشودة مع المدرب المصري الراحل محمود الجوهري الذي عمل مديراً فنياً ومخططاً استراتيجياً للكرة الأردنية منذ العام 2002 حتى أيام حياته الأخيرة في عام 2012 ليحقق مع "النشامى" قصة نجاح رائعة للغاية نستعرض أبرز فصولها في هذا التقرير.

أسند الاتحاد الأردني لكرة القدم للجوهري مسؤولية الإدارة الفنية للمنتخب الأول خلفاً للصربي برانكو سميليانيتش وبدأت مرحلة جديدة للعبة هناك حيث الخبرات الواسعة للمدرب المصري الذي بدأ مغامرة محفوفة المخاطر بعد تجارب عالمية وقارية مميزة، وعلى الرغم من ذلك فإن الشغف كان السمة البارزة لكلا الطرفين وإصرارهما على صناعة التاريخ بطريقة خاصة.

أنظر أيضا :

تجارب كروية سابقة للكرة الأردنية لم تحقق أهدافها على المستوى القاري تحديداً، رغم أن الأردن نال ذهبية دورة الألعاب العربية مرتين عامي 1997 في بيروت و 1999 في عمان، في المقابل جاء الجوهري محملاً بتاريخ ناصع من الإنجازات والألقاب في العديد من المحطات مع منتخب بلاده والأندية في مصر.

البداية كانت في بطولة غرب آسيا التي أقيمت في دمشق وخلالها كاد أن يلامس المنتخب الأردني اللقب عندما وصل إلى المباراة النهائية وتقدم فيها على العراق بهدفي مصطفى شحدة وعامر ذيب، لكن منتخب "أسود الرافدين" قلص الفارق أولاً عبر رزاق فرحان ثم أدرك التعادل بواسطة يونس محمود قبل أن يقتنص له حيدر مجيد الفوز بهدف ذهبي ليطير بالكأس إلى بغداد.

وإذا كانت الأحلام الأردنية بقيادة الجوهري قد تبخرت بضياع التتويج بلقب غرب آسيا، إلا أن ذلك كان بمثابة "عربون" على بزوغ فجر جديد للنشامى بعد المستويات الرائعة التي قدمها المنتخب في وقت قصير ظهرت عليه بسرعة لمسات الخبير المصري المحنك.

استهدف الجوهري الوصول بالمنتخب الأردني إلى نهائيات كأس آسيا وبدأ بالفعل التحضير لذلك لكن البداية كانت صادمة عندما تلقى خسارة كبيرة أمام إيران 1-4 في أولى مبارياته ضمن المجموعة الرابعة من التصفيات.

الرد الأردني كان مدوياً؛ ليس بسبب الفوز إياباً على إيران في عمان بثلاثة أهداف مقابل هدفين فحسب، بل بالمستوى الرائع الذي قدمه اللاعبون في تلك المباراة، فتقدم الضيوف مبكراً عبر يحيى غول محمدي لم يؤثر على معنويات الأردنيين كثيراً عندما ردوا بهدفين في الدقائق الخمس الأخيرة من الشوط الأول بإمضاء مؤيد سليم ومحمود شلباية.

وأعاد فرهاد مجيدي المواجهة إلى نقطة البداية بتسجيله هدف التعادل بعد مرور عشر دقائق من زمن الشوط الثاني، لكن ثقة الجوهري بإمكانات مهاجمه البديل بدران الشقران كانت في محلها حينما خطف الأخير هدف الفوز الثمين في واحدة من المباريات التي تبقى عالقة في الذاكرة الكروية الأردنية.

كان ذلك الفوز بمثابة الإنطلاقة الصاروخية للمنتخب الأردني في التصفيات ونجح بعدها بالفوز على لبنان مرتين 1-0 و 2-0 ثم الفوز على كوريا الشمالية مرتين أيضاً بثلاثية نظيفة في عمان 3-0 واعتبار الأخير خاسراً في لقاء الإياب، ليحتل بذلك النشامى المركز الثاني بفارق الأهداف خلف إيران ويتأهل إلى النهائيات القارية للمرة الأولى في تاريخه.

رحّبت بطولة كأس آسيا بضيفها الجديد الذي أكد استحقاقه تلك الحفاوة بعد أن قدم مستويات مميزة في النهائيات بدأها بالتعادل السلبي أمام كوريا الجنوبية، ثم الفوز القاتل على الكويت بهدفي خالد سعد وأنس الزبون، ليتوج بعدها مشوار الدور الأول بالتعادل السلبي أمام الإمارات ويرافق كوريا الجنوبية إلى الدور ربع النهائي.

وأصبح المنتخب الأردني العنوان الأبرز في صحف ووسائل الإعلام المختلفة في قارة آسيا التي أفردت مساحات واسعة لتلك المجموعة القادمة من غرب آسيا بالتزامن مع التركيز على السر وراء ذلك المستوى الذي أبهر الجميع، فكان للمدرب الجوهري أيضاً نصيب الأسد من عبارات المدح والثناء.

في شوارع عمان وغيرها من المدن الأردنية كان مذاق القهوة الصباحية أيام البطولة على غير العادة، فـ"النشامى" غيّر المزاج العام بلا شك لدى المواطنين وصولاً إلى رأس هرم السلطات في البلاد حينما قرر ملك الأردن عبدالله الثاني الوقوف خلف الفريق من الملعب خلال مباراة الدور ربع النهائي أمام اليابان.

احتاج المنتخب الأردني لـ"11" دقيقة فقط ليثبت أن وصوله إلى ربع النهائي لم يكن مجرد صدفة بعد أن تلاعب الظهير الأيسر خالد سعد بالدفاع الياباني قبل أن يعكس كرة عرضية على رأس المهاجم البارز محمود شلباية الذي أسكنها بحرفنة في الشباك، لكن الفرحة الغامرة لم تدم سوى دقيقتين حتى أدرك "الساموراي" التعادل" الذي استمر في الوقتين الأصلي والإضافي.

وضع الجوهري خبرات السنين في اللحظات المصيرية للنشامى الذي بدأ تسديد ركلات الجزاء بشكل جيد عكس منافسه اليابان وكان على أعتاب التأهل إلى المربع الذهبي، لكن الأحداث الدراماتيكية الخالدة أطاحت بالنشامى من البطولة في سيناريو لا يتكرر كثيراً في عالم كرة القدم.

وحظى منتخب الأردن باستقبال الأبطال بعد العودة من الصين، لينطلق مشوار آخر من الأحلام المنتظرة وهي الوصول إلى كأس العالم 2006، وكان الفريق يسير بالاتجاه الصحيح عندما أنهى مرحلة الذهاب متصدراً للمجموعة الأولى بثلاثة انتصارات متتالية على لاوس 5-0 وإيران وقطر بالنتيجة ذاتها 1-0.

لكن الأردن خسر في الإياب أمام إيران وقطر 0-2 ليحتل المركز الثاني ويودع المنافسات مؤجلاً حلم العبور إلى المونديال إلى إشعار آخر.

ولم ينجح النشامى مع الجوهري بتجاوز التصفيات المؤهلة لكأس آسيا 2007 بعد احتلاله المركز الثالث في المجموعة الثالثة خلف الإمارات وعمان، ليأتي بعد ذلك الخروج من دور الأربعة لبطولة غرب آسيا التي كانت آخر عهد للمدرب المصري مع الدكة الفنية لمنتخب الأردن.

في عام 2009 عاد الجوهري مخططاً ومستشاراً فنياً لكرة القدم الأردنية فصبّ اهتمامه على عمل مراكز الأمير علي للواعدين ذلك المشروع الرائد الذي تأسس في العام 2003 تحت إشرافه، وبدأ مرحلة طويلة من التخطيط للعبة هناك لتجني اللعبة ثمارها لاحقاً بعد وصول الأردن إلى الدور الحاسم المؤهل إلى كأس العالم 2014 ومشاركته في ثلاث نسخ متتالية من نهائيات كأس آسيا 2011 في قطر و2015 في أستراليا و2019 في الإمارات.

تجسد الوفاء الأردني في أزهى صوره بعدما توفي الجوهري في عمان يوم الثالث من أيلول/سبتمبر 2012 فكانت جنازته العسكرية المشهودة بمثابة أبرز تكريم لـ"الجنرال" وعرفاناً وتقديراً لبصمته المؤثرة في كرة القدم الأردنية.

مع الجوهري وصل الأردن إلى المرتبة 37 في التصنيف العالمي لشهر آب/ أغسطس عام 2004، ليُضاف ذلك إلى سلسلة تاريخية من الإنجازات التي حققها المدرب كقيادة منتخب مصر إلى مونديال 1990 وقبل ذلك الفوز مع الأهلي المصري بلقب دوري أبطال أفريقيا 1982، والبطولة ذاتها وبطولة السوبر الأفريقي مع الزمالك عام 1993.

وفي العام 1998 نجح الجوهري بتحقيق إنجاز فريد حينما قاد مصر للفوز بكأس الأمم الأفريقية بعد أن سبق وظفر بها لاعباً مرتين عامي 1957 و1959، ليترجل الراحل ويُصنف من أبرز الرياضيين الذين حققوا نجاحات مع منتخبات آسيوية من خارج القارة الصفراء.

أخبار مقترحة :